عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له” (مسلم). توقفت كثيراً عند كلمة “المؤمن” في هذا الحديث، ثم توقفت أكثر عند جملة “وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن”. سبحانك يا رب، هو صلى الله عليه وسلم لم يقل “عجباً لأمر المسلم”، لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، وإنما قال “المؤمن”، ثم أكد أن هذا الخير ليس إلا “للمؤمن”، فهلا سألت نفسك لماذا المؤمن وليس المسلم؟ أوليس المسلم أيضاً بقادر على الشكر وعلى الصبر؟ ما الفرق إذن، بل وما المقصود بهذا الحديث؟!

أحسب والله تعالى أعلى وأعلم أن المقصود بالصبر في هذا الحديث يختلف عن جميع أنواع الصبر التي تناولها العلماء. فهو صبر أقرب إلى الرضا والسرور منه إلى الصبر، ولكن هل يفرح المؤمن بضراء أصابته؟ لا والله، ولكن ماذا لو كان هذا المؤمن على يقين “تام” بأن هذا الأمر الذي ظاهره ضراء، باطنه سراء؟! وهنا مربط الفرس! سنة الله في عباده المؤمنين هي الابتلاء، ألم يقل سبحانه “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)” (سورة العنكبوت)؟ إذن لا مفر من الابتلاءات، ولكن ما الفرق بين ابتلاء المؤمن وبين ابتلاء غيره؟

أما غير المؤمن فيبتليه الله بالضراء لكي يرده إليه ويقربه، وأما المؤمن وهو محور حديثنا هنا، فيبتليه الله بالضراء لكي يرفع منزلته ولكي يغدق عليه بالنعم، ويحوّله بحوله سبحانه وقوته من حال إلى حال أفضل، ومن نعمة إلى نعمة أفضل، أتحدث هنا عن الدنيا، أما الآخرة فحدث ولا حرج، قال تعالى “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)” (سورة الزمر). إذن المؤمن يدرك ببصيرته أن باطن المحنة ليس كظاهرها، “باطن المحنة عكس ظاهرها”، وأحسب أن هذا سرٌ من أعظم أسرار الإسلام، وأن هذه نعمة لا يناله إلا “المؤمن”.