صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

لما وصلنا إلى المراد وهو الهداية إلى صراط الله المستقيم، تبعه التفصيل في قوله (صراط الذين أنعمت عليهم)، ولما كانت نعمه سبحانه وتعالى واصلة إلى المؤمن والكافر لأنه (الرحمن)، تبعه تفصيل أدق في قوله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، فبها استثنى من تصله نعم الله في الدنيا فقط، وأبقي من شملته نعمه سبحانه في الدنيا والآخرة. وشتان الفارق بين الأثنين، أما الفريق الأول فقد شكر الله على نعمه، وأما الفريق الثاني فقد جحد هذه النعم ففيهما نزلت “وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)” (سورة النمل). وقيل أن المقصود ب(الذين أنعمت عليهم) النبيون والصديقون والشهداء والصالحون لما ورد في قوله تعالى “فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69)” (سورة النساء).

قيل أن (المغضوب عليهم) هم اليهود لأنهم فرَّطوا في دينهم وآذوا موسى عليه السلام فنزل فيهم “وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ (112)” (سورة آل عمران)، وأن (الضالين) هم النصارى لأنهم أفرطوا في دينهم بتشددهم وبتأليههم لعيسى عليه السلام فنزل فيهم “وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)” (سورة المائدة). وبالتالي جاء الدعاء في هذه الآية وسطاً بين تفريط من غضب الله عليه من اليهود، وإفراط من ضل من النصارى. وكذلك جاء الدعاء جامعاً بين الرغبة في رحمة الله في قوله (صراط الذين أنعمت عليهم)، والخوف من عذابه في قوله (غير المغضوب عليهم والضالين)، مصداقاً لقوله تعالى “وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)” (سورة الأنبياء).

ملحوظة: أتعجب من “بعض” اليهود والنصارى في زماننا هذا الذين يعتبرون تفسير الآية تطرفاً ويعترضون على وصفهم بالمغضوب عليهم والضالين، فنقول هذا موسى وقد جاء برسالة من ربه، فمن آمن بها فهو في نظرنا مؤمن ومن كفر بها فهو في نظرنا مغضوب عليه. وهذا عيسى وقد جاء برسالة من ربه، فمن آمن بها فهو في نظرنا مؤمن ومن كفر بها فهو في نظرنا ضال، فهل لديكم اعتراض على هذا أو ذاك؟!