بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (1)

أي أبدأ وأستعين باسم الله تيمُناً وتبرُكاً، وكأنه قسمٌ من الله على رأس كل سورة أنه بجلاله أنزله بالحق، وأن كل ما في السورة حق، وكل وعد فيها حق، وكل حرف فيها حق، وأنها شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، مصداقاً لقوله تعالى “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)” (سورة الإسراء)، باستثناء سورة التوبة لأنها تناولت القتال والجهاد فلم تكن لتبدأ ب(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وإنما بدأت مباشرةً بإعلان انقطاع وانقضاء العهد مع المشركين في قوله تعالى ”بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (1)” (سورة التوبة).

كلمة (اسم) أصلها سُمُو أي عُلُو وارتفاع، وقيل أصلها وَسْم أي علامة. والابتداء بذكر الله في سائر الأعمال لأنه سبحانه وتعالى السابق في الوجود، فما من شيء في هذا الكون إلا والله تعالى قبله فهو سبحانه الأول والآخر. وقد كان المشركون يبدءون بأسماء آلهتهم فيكتبون باسم اللات وباسم العزى فنزل الوحي بالحق أنه لا ابتداء إلا (بسم الله الرحمن الرحيم).

اسمان من أسماء الله الحسنى، مشتقان من الرحمة وهي الرقة والتعطف وترك المعاقبة. قيل الرحمن شملت رحمته المؤمن والكافر في الدنيا، وأما الرحيم فرحمته للمؤمنين خاصة، في الدنيا والآخرة مصداقاً لقوله تعالى “وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)” (سورة الأحزاب). وقيل الرحمن من يصرف العصاة عن النار، والرحيم من يدخل المؤمنين الجنة. وقد يُوصَف المخلوقون ب(رحيم)، أما (الرحمن) فهو الله الواحد الأحد، وما تجرأ إنسان على مر التاريخ أن يصف نفسه بكلمة (رحمن) إلا مسيلمة الذي ادعى النبوة في منطقة اليمامة وأطلق على نفسه لقب (رحمن اليمامة)، فما كان من العزيز الجبار إلا أن فضح أمره فما عُرِف من وقتها إلى يومنا هذا إلا ب(مسيلمة الكذاب)، فسبحان من لم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل.

نجا نوح عليه السلام من الطوفان بنصفها لما قال “بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا (41)” (سورة هود)، فما ظنك بمن زاد عليها (الرحمن الرحيم)؟! ولما استفتح بها سليمان خطابه إلى ملكة سبإ وجهرت هي بها على قومها فقالت “إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30)” (سورة النمل) ما لبث أن شرح الله قلبها إلى الإيمان فما أن رأت الآيات حتى قالت “قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)” (سورة النمل)، فما ظنك بمن واظب عليها واستفتح عمله كله ب(بسم الله الرحمن الرحيم)؟