الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)

هدانا سبحانه وتعالى بعد البدء بالتسمية باسمه أن نحمده بصيغة (الحمد لله)، فلماذا لم يقُل جل وعلا (المدح لله) أو (الشكر لله)؟ لأن المدح يكون للحي وللجماد، كأن تصف المدينة المنورة مثلاً بالسكينة والسلام، أما الحمد فهو للأحياء فقط وهو سبحانه الحي القيّوم. فلماذا (الحمد) وليس (الشكر)؟ لأن الشكر يكون على النعم الواصلة إليك وحدك، كأن تشكر شخصاً بعينه لوقوفه بجانبك في محنة ما، أما الحمد فيكون على فضيلة الإنعام عليك وعلى غيرك. فلما كان مصدر الإنعام هو الله جل وعلا وهو من قال وقوله الحق “وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ (34)” (سورة إبراهيم)، فكان لزاماً علينا أن نحمده، وأن يكون الحمد بالصيغة التي علمنا إياها في كتابه الكريم، فالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

وقد جاءت كلمة (الحمد) معرفة ب”ال” للتأكيد على أمرين، الأول أن مطلق الحمد وقمة الحمد للمنعم سبحانه وتعالى، والثاني أنه جل وعلا محمودٌ قبل حمد البشر له، بل وقبل أن يكونوا بشراً، وسواء حمده البشر أم لا. أما البشر فما منهم من أحدٍ ينعم على غيره إلا وكان هدفه منفعة، حتى وإن كانت هذه المنفعة هي رضا الله وثوابه، أما المنعم سبحانه وتعالى فهو في غنى عن البشر وعن الخلق الجمعين، لا يفيده حمدهم ولا يضره جحودهم، ورغم ذلك فهو ينعم عليهم جميعاً، المؤمن والكافر، والذاكر والغافل، والحامد والجاحد. وكيف لا وهو من خلقهم جميعاً من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم من عظام، ثم من لحم، ثم صوره فأحسن خلقه، وبث فيه الروح، ثم أخرجه من رحم أمه ضعيفاً، فتولاه حتى عقل، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وما زال سبحانه يرزق هذا وذاك، ذلك (رب العالمين)، فله سبحانه الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

كلمة (رب) في اللغة تعني المالك والسيد والمربي والمصلح، وقد يُطلق الاسم على البشر مثلما نقول “رب الدار”، ولكنه يظل مقروناً بالإضافة كقولنا “رب البيت” و”رب الأسرة” إلى آخره، أم كلمة “رب” أو “الرب” مجردة فلا تطلق إلا على الله الواحد الأحد. كذلك لا تأتي هذه الكلمة بصيغة الجمع إلا إذا المقصود بها باطلاً، كقوله تعالى “أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)” (سورة يوسف). أما (العالمين) فهو كل ما سوى الله، منه ما تدركه عقولنا ومنه ما ليس لنا قدرة على إدراكه، وعلى الرغم من ذلك فإنه سبحانه يربي كل واحد منا وكأنه ليس له عبدٌ سواه، في حين أننا أفقر الفقراء إليه لأننا ليس لنا ربٌ سواه! ولذلك علمنا سبحانه (الحمد لله رب العالمين) بعد (بسم الله الرحمن الرحيم)، فانتبه رحمك الله.