إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

العبادة هي قمة التذلل، ولا تُبذَلْ إلا لمن هو في قمة الإنعام، ألا وهو الله، ولا تتحقق إلا بأربعة شروط: الوفاء بالأركان، والمحافظة على الشرائع، والرضا بالحال، والصبر على الابتلاء. والاستعانة بالله هي طلب المساعدة على نيل خيري الدنيا والآخرة. وفي هذه الأربع كلمات من اللطائف ما يستحق التأمُّل. بداية، يتحول الكلام من الصيغة الغيبية (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم دين) إلى صيغة المخاطبة لأول مرة منذ بداية السورة، وكأن الحكمة أنك لما حمدته بقولك (الحمد لله رب العالمين)، ثم أثنيت عليه بقولك (الرحمن الرحيم)، ثم مجَّدته بقولك (مالك يوم الدين)، فبحمدك وثنائك وتمجيدك للواحد الأحد فقد ارتقيت في مراتب الذاكرين فقربك منه سبحانه وسمح لك أن تخاطبه بقولك (إياك نعبد)، فلما أقررت له بالعبودية سمح لك بطلب المعونة (وإياك نستعين).

جاء لفظ (إياك) قبل (نعبد) وقبل (نستعين) لكي يغلق الباب تماماً أمام عبادة غير الله، سواءً من الإنس أو الجن أو الملائكة أو ما دونهم من الجماد، بخلاف لو قال “نعبد إياك” لكان من الممكن وقتها إضافة غيره في العبودية والاستعانة، كقول بعضهم نعبدك ونعبد كذا وكذا. كذلك جاء التعبير بصيغة الجمع لأن العبد لو قال “إياك أعبد” لكان المقصود أنه وحده العابد، في حين أنه واحدٌ من ملايين العابدين، فعلمنا سبحانه حسن التأدب معه في الخطاب. وبما أن الفاتحة سورة الصلاة فصيغة الجمع أيضاً إشارة إلى صلاة الجماعة التي تفضل صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة كما ورد في الحديث الصحيح، وكأن المصلي يقر في قوله (إياك نعبد) بتقصيره في أداء الصلاة على الوجه الأمثل، فيطمع أن يقبلها منه ربه ببركة أكثر المصلين إخلاصاً.

كذلك في قولك “إياك نعبد وإياك نستعين” علاج لأكبر آفتين يصيبان القلب في هذه الدنيا ويسعان لهلاكه وتدميره، ألا وهما آفة الرياء وآفة الكبر. فالكثير من المسلمين إلا ما رحم ربي يحسن صلاته وصدقاته وعباداته بشكل عام طمعاً في ثناء الناس، ثم ما أن يخلو بنفسه إلا وأهملها أو خطفها ونقرها نقراً، فجاء قوله تعالى “إياك نعبد” تذكيراً له في كل صلاة أن العمل كله لله، سره وعلنه. ثم إذا أتقن العبد عمله وأخلصه لله لا يسلم من مكائد الشيطان الذي يزين له عبادته أكثر فأكثر حتى يستدرجه إلى مستنقع العجب والكبر فيظن نفسه أفضل من غيره وأكرم وأقرب إلى الله، فجاء قوله تعالى “وإياك نستعين” تنبيهاً له أن القدرة والقوة والمشيئة كلها لله، وأن العبد وحده لا يقدر على شيء دون الاستعانة به سبحانه.